عبد الملك الجويني

206

الشامل في أصول الدين

فإن قيل : قد وبختم المعتزلة في الاستشهاد بالأدلة السمعية ، ثم وقعتم فيما منه فررتم . فالجواب عن ذلك من وجهين : أحدهما : أن نقول : نحن لم نبطل دلالة العقل ، بل قررناها قرارها ، واعتضدنا بدلالة السمع تيمنا ، وأنتم أبطلتم دلالات العقول . والوجه الآخر في الجواب أن نقول : أنتم سددتم مدارك العقل في نفي قديمين ، إلهين كاملي الاقتدار ، فجركم ذلك إلى اضطراب المقدورات ، وذلك يفضي إلى رد السمع ، ونحن إن قدرنا عاجزا قديما عقلا ، فليس في ذلك ما يقدح في أحكام القدر ، فافترق مذهبانا . فإن قال قائل : هذا كلامكم في نفي قديم عاجز ، فما الدليل على وجوب تعلق القدرة القديمة بما لا يتناهى ؟ قلنا : قد ذكر أهل الكلام في ذلك طرقا لا نرتضيها ونحن نشير إليها ، ونبدي وجوه القدح فيها ، ثم نذكر الطريقة المرضية . فمما ذكروه أن قالوا : لو لزم أن يقدر القديم على بعض المقدورات ، لوجب أن يكون عاجزا عنها ، وقد قدمنا استحالة العجز [ على ] القديم ، وهذا فيه نظر . إذ للمعترض أن يقول : لا نقدر على بعض المقدورات ولا نعجز عنه ، كما لا يقدر الواحد منا على الألوان ، ولا يعجز عنها . والتقصي عن هذا السؤال تكلف . ومما ذكر في ذلك أن القدرة لو صلحت لإحداث شيء ، لوجب أن تصلح لإحداث كل شيء جائز ، لأن حقيقة الحدوث واحدة لا تختلف ، والقدرة الصالحة لوجه منته ، صالحة لجميع وجوهه ، وهذا فيه نظر عندنا . وللمعترض أن يقول : إذا نفينا الحال ، وقلنا : إن الجوهر يخالف العرض بما اختص به في خاصيته ، وخاصيته غير وجوده ، فلزم من ذلك اختلاف الوجودين ، وفيه إبطال الدليل . وإن قلنا بالحال ، فالدليل مع القول بها مدخل أيضا . فإن جميع صفات الجوهر تثبت بالقدرة عند أهل الحق . فللمعترض أن يقول : إن استواء وجود الجوهر والعرض ، [ وإن ] لم تستوي صفاتهما ، فيجوز أن تصلح القدرة لأحدهما دون الثاني . والذي يجب التعويل عليه في ذلك أن نقول : نحقق انتفاء النهاية عن مقدورات القديم الواحد من غير تقدير ثان ، ثم ننعطف على غرضنا في تقدير قديمين . فالدليل على انتفاء النهاية عن مقدورات القديم الواحد ، أن مقدوراته لو تناهت وانتهت ، وبقيت قدرته فيما لا